حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

98

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

معناه أن وجود ما سواه فائض عن تربيته ، وإحسانه وجوده وامتنانه ، فالأول يدل على التمام والثاني على أنه فوق التمام . الرابعة : رب العالمين ثم إنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وهو اللّه الواحد الأحد الصمد ، وأنت تخدمه كأنّ لك أربابا غيره فما إنصافك أيها الإنسان ؟ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ [ الأنبياء : 42 ] خلقت لعبادة الرب فلا تهدم حقيقتك بمعصية الرب ، الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب . السادس : في فوائد قوله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . الأولى : الرحمن بما لا يتصور صدوره من العباد ، والرحيم بما يقدر عليه العباد . أنا الرحمن لأنك تسلم إليّ نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة ، أنا الرحيم لأنك تسلم إليّ طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة . الثانية : ذهب بعضهم إلى ملك فقال : جئتك لمهم يسير . فقال : أطلب المهم اليسير من الرجل اليسير . فكأن اللّه تعالى يقول : لو اقتصرت على الرحمن لاحتشمت مني ولتعذر عليك سؤالي الأمور اليسيرة ، فأنا الرحمن لتطلب مني الأمور العظيمة ، وأنا الرحيم لتطلب مني شراك نعلك وملح قدرك . الثالثة : الولد إذا أهمل حال ولده ولم يؤدبه ظن أن ذلك رحمة وهو في الحقيقة عذاب . من لم يؤدبه الأبوان أدبه الملوان ، وعكسه حال من تقطع يده لأكلة فيها ، أو يضرب لتعليم حرفة ، أو لتأدب بخصلة شريفة . فكل ما في العالم من محنة وبلية فهو في الحقيقة رحمة ونعمة وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] وقصة موسى مع الخضر كما تجيء في موضعها تؤيد ما ذكرناه ، والحكيم المحقق هو الذي يبني الأمور على الحقائق لا على الظواهر ، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير . الرابعة : أعطى مريم عليها السلام رحمة وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا [ مريم : 21 ] فصارت سببا لنجاتها من توبيخ الكفار والفجار ، وأعطانا رحمة وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] فكيف لا ننجو بسببه من عذاب النار . الخامسة : وصف النبي صلى اللّه عليه وسلم بالرحمة فكان من حاله أنه لما كسرت أسنانه قال : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون ، وأنه يوم القيامة يقول : أمتي أمتي . فلما وصف نفسه بكونه